فخر الدين الرازي

477

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة . الثالث : قوله فَإِذا هُمْ قِيامٌ يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة / في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله فَإِذا هُمْ تدل على التعقيب . الرابع : قوله يَنْظُرُونَ وفيه وجهان الأول : ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم والثاني : ينظرون ماذا يفعل بهم ، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم . ولما بين اللّه تعالى هاتين النفختين قال : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] وبدليل قوله تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ الحاقة : 14 ] بل هي أرض أخرى يخلقها اللّه تعالى لمحفل يوم القيامة . المسألة الثانية : قالت المجسمة : إن اللّه تعالى نور محض ، فإذا حضر اللّه في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور اللّه ، وأكدوا هذا بقوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] . واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول : أنا بينا في تفسير قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه لا يجوز أن يكون اللّه سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة ، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل ، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى ، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى ، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « الظلم ظلمات يوم القيامة » وأما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل ، وأيضا قال في آخر الآية وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم ، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني : في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى اللّه تعالى ، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات اللّه تعالى ، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فلما كان ذلك النور من خلق اللّه وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور اللّه ، كقوله : بيت اللّه ، وناقة اللّه وهذا الجواب أقوى من الأول ، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز . والوجه الثالث : أنه قد يقال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية ، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكا من الملوك ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورا . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء : أولها : قوله وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وقد سبق الكلام فيه وثانيها : قوله وَوُضِعَ الْكِتابُ / وفي المراد بالكتاب وجوه الأول : أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني : المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً